الشرق الأوسط عند حافة تصعيد أوسع: خريطة التوتر من إيران والخليج إلى لبنان وسوريا

بشير عصمت

2 أغسطس، 2026

قراءة في المشهد الإقليمي حتى 2 آب/أغسطس 2026

لا يقف الشرق الأوسط أمام حرب واحدة ذات جبهة واضحة، بل أمام ثلاث دوائر متداخلة من الصراع: المواجهة الأميركية–الإيرانية وما يرتبط بها من مضيق هرمز والقواعد الأميركية في الخليج؛ المواجهة الإسرائيلية الممتدة من غزة والضفة الغربية إلى لبنان وسوريا؛ والتصعيد السعودي–الحوثي حول اليمن والبحر الأحمر. ويكمن الخطر الأساسي في احتمال انتقال شرارة من إحدى هذه الدوائر إلى الدائرتين الأخريين.

تبدو مؤشرات التوتر خلال الساعات الأخيرة جدية. فقد أفادت تقارير بأن الولايات المتحدة وإسرائيل أعدّتا خططاً محتملة لضرب منشآت عسكرية وطاقوية إيرانية، من دون ثبوت صدور قرار أميركي نهائي بالتنفيذ حتى ساعة إعداد هذا النص. وتزامن ذلك مع تحذيرات أمنية متقاربة صادرة عن بعثات أميركية في المنطقة، شملت احتمال إغلاق مجالات جوية وإلغاء رحلات وحدوث «تصعيد غير متوقع». وتبقى هذه الإجراءات دليلاً على ارتفاع الاستعداد، لا إعلاناً بحد ذاته عن تحديد ساعة الصفر.

إيران: قيادة أكثر تشدداً واستعداد لحرب غير متكافئة

تدخل إيران هذه المرحلة تحت قيادة داخلية أكثر ارتباطاً بالمؤسسة العسكرية والأمنية، مع تصاعد دور الحرس الثوري وتراجع هامش السلطة المدنية. وفي الوقت نفسه، تواجه البلاد ضغوطاً اقتصادية واجتماعية وتشدداً أمنياً داخلياً، لكن هذه الضغوط لا تعني أن انهيار النظام بات وشيكاً، ولا سيما في ظل تشتت قوى المعارضة في الخارج.

ولا تشير المعلومات العلنية إلى استعداد إيراني لغزو بري تقليدي للعراق أو دول الخليج. الأدق هو الحديث عن رفع جاهزية الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتشتيت منصات الإطلاق، وتنشيط القوات الساحلية والشبكات المسلحة الحليفة. بذلك، فإن الرد الإيراني المرجح على أي ضربة واسعة سيكون غير متكافئاً، وقد يجمع بين استهداف قواعد أميركية، وتهديد الملاحة، وضرب منشآت طاقة، وتحريك حلفاء في العراق واليمن ولبنان.

يبقى مضيق هرمز مركز الثقل الأهم. فإيران تنظر إليه بوصفه ورقة ردع، في حين تعتبره الولايات المتحدة ودول الخليج ممراً دولياً لا يمكن السماح لطهران بالتحكم فيه. أما فرص استئناف التفاوض، فتبقى محدودة ما لم تظهر تسوية تتيح للطرفين إعلان تحقيق مكسب سياسي أو أمني.

الخليج والقواعد الأميركية: تفاوت في مستوى الانكشاف

تنتشر المنشآت الأميركية الرئيسية في البحرين، حيث مقر الأسطول الخامس؛ وفي قطر، حيث قاعدة العديد ومقر القيادة المتقدمة للقيادة المركزية؛ وفي الكويت، خصوصاً معسكر عريفجان وقاعدتي علي السالم وبويرينغ؛ وفي الإمارات، ولا سيما قاعدة الظفرة وميناء جبل علي؛ إضافة إلى قاعدة الأمير سلطان في السعودية، وقواعد في الأردن والعراق.

البحرين والكويت وقطر والأردن هي الأكثر تعرضاً بصورة مباشرة بسبب كثافة الوجود العسكري الأميركي. وتمثل قطر هدفاً عالي القيمة عسكرياً، فضلاً عن أهميتها في سوق الغاز الطبيعي المسال. أما الإمارات، بما فيها دبي، فتنكشف بصورة أكبر عبر الموانئ والمطارات والتجارة والتأمين والاستثمار، حتى في حال عدم تعرض أراضيها لهجوم مباشر.

تحتفظ سلطنة عمان بدورها التقليدي كقناة اتصال ووساطة، لكنها لا تستطيع الانفصال تماماً عن التداعيات البحرية والاقتصادية لأي اضطراب في هرمز. أما البحرين، فتجمع بين وجود الأسطول الخامس وحساسية البنية الداخلية، ما يجعل أي تصعيد عسكري أو أمني حولها أكثر تعقيداً.

انتقلت السعودية تدريجياً من وضع الدفاع والتحصين إلى دور أكثر انخراطاً، خصوصاً مع العمليات المشتركة ضد جماعات عراقية مرتبطة بإيران. ويزيد ذلك احتمالات تعرض قواعد أو منشآت في شرق المملكة، أو موانئ البحر الأحمر، لهجمات صاروخية أو مسيّرة. لكن القرار الإيراني باستهداف السعودية مباشرة سيبقى مرتبطاً بحجم المشاركة السعودية في أي حملة أميركية جديدة.

العراق: حكومة الزيدي بين واشنطن والفصائل

يواجه رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي اختباراً مبكراً يتعلق بقدرته على تحقيق توازن بين الولايات المتحدة ودول الخليج من جهة، وقوى «الإطار التنسيقي» والفصائل المسلحة المرتبطة بإيران من جهة أخرى.

تطالب واشنطن بحصر السلاح بيد الدولة ضمن جدول زمني يتقاطع مع ترتيبات إعادة انتشار القوات الأميركية. لكن فصائل قوية، بينها كتائب حزب الله، ترفض التخلي عن سلاحها ما دامت القوات الأميركية موجودة، وما دامت المواجهة مع إيران مستمرة.

ولا يشكل الحشد الشعبي كتلة متجانسة؛ فهو مؤسسة رسمية ضمن الدولة العراقية، إلا أن بعض ألوِيته تحتفظ بقيادات وارتباطات وقرارات عملياتية مستقلة. وقد أظهرت الضربات الأميركية–السعودية الأخيرة، وما تبعها من سقوط قتلى وجرحى، هشاشة التوازن الذي يحاول الزيدي إدارته.

الاحتمال الأقرب هو استمرار الضربات المحدودة والضغط السياسي على الفصائل، وليس اندلاع حرب أهلية عراقية فورية. لكن خطر الاشتباك الداخلي قد يرتفع إذا حاولت الحكومة تنفيذ نزع السلاح بالقوة، أو إذا استخدمت الفصائل الأراضي العراقية لشن هجمات واسعة على دول الجوار.

في إقليم كردستان، تبقى أربيل معرضة للخطر بسبب وجود قوات ومصالح أميركية، وبسبب نشاط جماعات كردية إيرانية معارضة. وتحاول القيادات الكردية العراقية تجنب التحول إلى منصة حرب ضد إيران، فيما يستمر التنافس بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، إلى جانب النزاع المزمن مع بغداد على النفط والرواتب.

يمثل تمديد اتفاق تشغيل خط كركوك–جيهان مع تركيا متنفساً اقتصادياً مهماً للعراق، لأنه يوفر بديلاً جزئياً عن طرق التصدير المرتبطة بالخليج وهرمز، لكنه لا يحل الخلافات الدستورية بين بغداد وأربيل حول إدارة الثروة النفطية.

اليمن والبحر الأحمر: الجبهة الأكثر قابلية للاشتعال

ارتفع مستوى التصعيد في اليمن مع تهديد الحوثيين للملاحة السعودية واستهداف السفن والمنشآت، مقابل ضربات سعودية وتشكيل ترتيبات أوسع للدفاع البحري. وفي الوقت نفسه، تسجل تحركات عسكرية متقابلة على عدد من الجبهات البرية، ما يعزز خطر انهيار التهدئة والعودة إلى حرب واسعة.

لا ينبغي اختزال الحوثيين في هويتهم الزيدية؛ فالحركة نشأت في بيئة زيدية، لكنها لا تمثل جميع الزيديين، كما أن النزاع اليمني سياسي وعسكري وقَبَلي وإقليمي بقدر ما يحمل أبعاداً مذهبية.

أما المعسكر المناهض للحوثيين، فلا يزال منقسماً بين الحكومة المعترف بها دولياً، والقوى المدعومة سعودياً، والشبكات والقوى الجنوبية المرتبطة بالإمارات، إضافة إلى النزعة الانفصالية التي يمثلها المجلس الانتقالي الجنوبي. لذلك، فإن أي هجوم بري واسع على مناطق الحوثيين سيواجه مشكلة غياب قيادة موحدة، حتى لو توافرت تغطية جوية وبحرية.

تركيا والأكراد والتسوية مع أوجلان

دخل المسار الكردي في تركيا مرحلة جديدة منذ دعوة عبد الله أوجلان إلى وقف القتال وحل حزب العمال الكردستاني. وقد تبع ذلك وقف لإطلاق النار وخطوات تنظيمية وقانونية، لكن التسوية لم تكتمل بعد.

تتمحور الخلافات الحالية حول شروط دمج المقاتلين، والعفو أو الضمانات القانونية، ووضع أوجلان، والحقوق الثقافية والسياسية، وطبيعة اللامركزية. ويخشى المعارضون للمسار من أن يتحول إلى صفقة سياسية محدودة، فيما تخشى أنقرة من بقاء هياكل مسلحة تحت أسماء جديدة.

في سوريا، خفّض الاتفاق الإطاري بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية احتمال اندلاع حرب شاملة، لكنه لم يحسم مسائل القيادة العسكرية والإدارة المحلية والموارد النفطية. وتريد تركيا إنهاء أي كيان عسكري كردي مستقل بمحاذاة حدودها، بينما تسعى القيادات الكردية إلى ضمانات دستورية ومؤسساتية تتجاوز مجرد الاندماج الفردي في الجيش السوري.

سوريا: تنافس تركي–إسرائيلي وهشاشة داخلية

أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع أن بلاده تسعى إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، مع التمسك بالمطالبة بالجولان المحتل. غير أن هذا المسار يصطدم بتباين عميق في الأهداف: دمشق تريد استعادة السيادة وتثبيت الدولة، بينما تريد إسرائيل منطقة جنوبية منزوعة السلاح وضمانات تحد من الوجود التركي أو الإيراني.

يمثل التنافس التركي–الإسرائيلي في سوريا صراعاً استراتيجياً صاعداً. فأنقرة تدعم قيام دولة سورية مركزية قريبة منها سياسياً وأمنياً، بينما تخشى إسرائيل من تحول الوجود التركي إلى بنية عسكرية دائمة. ومع ذلك، تجعل قنوات منع الاحتكاك احتمال الحرب المباشرة بين تركيا وإسرائيل منخفضاً في المدى القريب، وإن بقي التنافس بينهما مرشحاً للتصاعد.

في السويداء، لا يشكل الدروز موقفاً واحداً. فهناك من يطالب بالاندماج في الدولة مع ضمانات، ومن يدفع نحو حكم ذاتي واسع، ومن يعوّل على الحماية الإسرائيلية، ومن يرفض دمشق وتل أبيب معاً. وتستند إسرائيل إلى شعار حماية الدروز لتبرير تدخلها، من دون أن يعني ذلك وجود إجماع درزي على هذا الدور.

أما العلويون، فيواجهون انعداماً شديداً للأمن بعد أعمال العنف التي شهدها الساحل، لكنهم لا يملكون قيادة موحدة أو مشروعاً انفصالياً متماسكاً. ويظل الخطر الأقرب هو استمرار عمليات انتقامية وتمردات محلية، لا قيام كيان علوي منظم.

وعلى الحدود الشرقية، ضعفت شبكة الربط بين إيران والعراق وسوريا ولبنان، لكنها لم تختفِ. وقد أعلنت السلطات السورية ضبط شحنات صواريخ وطائرات مسيّرة قادمة من العراق وقيل إنها كانت متجهة إلى حزب الله، وهو ما نفاه الحزب. ولا يتوافر، في المقابل، دليل علني على وجود حشد بري إيراني واسع معدّ لغزو تقليدي عبر هذه المنطقة.  اي الى شمال العراق  في اقليم كردستان.

لبنان: مفاوضات هشة وجبهة علي الطاهر

يقوم المسار التفاوضي اللبناني–الإسرائيلي على صيغة تدريجية تشمل انسحاباً إسرائيلياً، وانتشار الجيش اللبناني، ومعالجة سلاح حزب الله ضمن مناطق تجريبية قبل توسيعها. غير أن إسرائيل تربط انسحابها بتحققها من نزع السلاح، فيما يرفض حزب الله البحث في تسليم سلاحه قبل اكتمال الانسحاب ووقف العمليات الإسرائيلية.

أظهرت التجربة الأولى في زوطر الغربية مدى صعوبة تطبيق الخطة بسبب الدمار، والقيود اللوجستية، والحساسيات السياسية، وغياب اتفاق مباشر مع حزب الله.

تأتي تحركات الرئيس جوزاف عون في واشنطن وأنقرة ضمن محاولة لتوسيع هامش الدعم السياسي والعسكري للجيش اللبناني، والضغط من أجل الانسحاب الإسرائيلي. كما تندرج زيارات رئيس الحكومة نواف سلام إلى فرنسا وتركيا والعراق في إطار البحث عن مظلة دبلوماسية أوروبية، وتوازن إقليمي إضافي، ودعم اقتصادي وطاقوي. غير أن أي طرح لمشاركة عسكرية تركية في جنوب لبنان سيواجه اعتراضاً إسرائيلياً شديداً.

تظل منطقة علي الطاهر–الشقيف من أكثر نقاط الجنوب حساسية، بعد عمليات حزب الله واستمرار الضربات والتحركات الإسرائيلية حولها. وحتى ساعة إعداد هذا النص، لم يصدر إنذار علني موثوق ومحدد بإخلاء علي الطاهر، لكن الوقائع الميدانية تجعل احتمال تنفيذ ضربة أو عملية محدودة في هذه المنطقة مرتفعاً نسبياً.

ويبقى اندلاع حرب شاملة أقل ترجيحاً من استمرار الضربات الموضعية، ما لم تقع خسائر إسرائيلية كبيرة، أو يوسع حزب الله نطاق نيرانه، أو تقرر إسرائيل ربط الجبهة اللبنانية بحملة أوسع ضد إيران.

غزة والضفة وإسرائيل

لا تزال ترتيبات غزة غير مستقرة. فالإعلانات المتعلقة بنزع سلاح حماس تصطدم بخلاف جوهري حول ترتيب الخطوات: إسرائيل تطالب بنزع السلاح قبل الانسحاب، بينما تشترط حماس ضمانات سياسية وأمنية وانسحاباً إسرائيلياً قبل التنفيذ. ولذلك، لا يمكن التعامل مع التفاهمات المعلنة باعتبارها اتفاقاً ناجزاً.

في الضفة الغربية، يتزايد عنف المستوطنين والعمليات العسكرية والضغط على السلطة الفلسطينية، بالتوازي مع خطوات توسع السيطرة الإسرائيلية الفعلية على الأرض. ويفتح ذلك جبهة استنزاف طويلة قد تنفجر بصورة مستقلة عن غزة أو لبنان.

تجري هذه التطورات فيما تتجه إسرائيل إلى انتخابات مقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر. وتشير استطلاعات إلى صعوبة حصول معسكر بنيامين نتنياهو على أغلبية مريحة، إلا أن تشتت الأحزاب والتحالفات يجعل النتيجة مفتوحة. وقد تؤثر الحسابات الانتخابية في القرارات العسكرية، لكن من غير الموضوعي اعتبار كل تصعيد نتيجة انتخابية مباشرة.

وفي الولايات المتحدة، تكشف استطلاعات الرأي عن تأييد محدود للحرب مع إيران وعدم وضوح أهدافها لدى قطاعات واسعة من الأميركيين. وقد يدفع ذلك الإدارة إلى تفضيل عمليات جوية قصيرة ومحددة بدلاً من حرب برية، من دون استبعاد محاولة تقديم ضربة كبيرة بوصفها إنجازاً حاسماً قبيل الانتخابات النصفية.

إسبانيا وكوبا: اتساع سياسة الضغوط الأميركية

ينبغي التمييز بين خفض مستوى العلاقة الإسبانية–الإسرائيلية وبين قطعها بالكامل. فقد سحبت مدريد سفيرها من إسرائيل، لكنها لم تعلن إنهاء العلاقات الدبلوماسية نهائياً، كما دفعت باتجاه تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل.

وفي المقابل، أعلن الرئيس الأميركي وقف التجارة مع إسبانيا بسبب الخلاف على الإنفاق الدفاعي وموقف مدريد من الحرب، لكن تنفيذ قرار بهذا الاتساع يواجه تعقيدات لأن السياسة التجارية الإسبانية مرتبطة بصلاحيات الاتحاد الأوروبي. ولذلك، لا يعادل هذا التطور قطعاً دبلوماسياً كاملاً.

أما تجاه كوبا، فتواصل واشنطن سياسة الضغط الأقصى عبر تشديد القيود النفطية والمالية وفرض عقوبات على القيادة والمؤسسات العسكرية، في وقت تحاول هافانا فتح مساحة محدودة أمام القطاع الخاص لتخفيف أزمتها الاقتصادية.

الصين وروسيا وأوكرانيا والاقتصاد العالمي

تسعى الصين إلى منع هزيمة استراتيجية لإيران، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى بقاء مضيق هرمز مفتوحاً واستمرار تدفق الطاقة من الخليج. وتختبر دول المنطقة قدرة بكين على استخدام نفوذها لدى طهران، فيما تشير تقارير إلى حصول إيران على منظومات دفاع جوي صينية محمولة. ولا يدل ذلك حتى الآن على استعداد صيني للتدخل المباشر في الحرب.

تقدم روسيا بدورها دعماً سياسياً وتقنياً لإيران، لكن حدود هذا الدعم تبقى محكومة بحرب أوكرانيا وبحرص موسكو على تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. أما التقارير المتعلقة بمشاركة روسية مباشرة في تحديد الأهداف أو تشغيل المسيّرات الإيرانية، فلا تزال بحاجة إلى أدلة قاطعة.

تزامن التصعيد الشرق أوسطي مع تكثيف روسيا هجماتها على أوكرانيا، في وقت أدى تحويل بعض موارد الدفاع الجوي إلى المنطقة إلى زيادة الضغط على كييف. وقد استخدمت موسكو في إحدى هجماتها الأخيرة عشرات الصواريخ ومئات الطائرات المسيّرة، وسط نقص أوكراني في صواريخ «باتريوت.

اقتصادياً، تنتقل تداعيات الأزمات عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز، وكلفة تأمين السفن، وتعطل سلاسل التوريد والطيران، وارتفاع تكاليف الدفاع. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى نمو عالمي يقارب 3 في المئة خلال 2026، بالتزامن مع ضغوط تضخمية متجددة مرتبطة بالطاقة والحروب.

الساعات المقبلة: التصعيد مرجح والحرب الشاملة غير محسومة

يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً خلال المدى القصير تنفيذ ضربة أميركية أو إسرائيلية قوية، لكنها محددة زمنياً، ضد أهداف عسكرية إيرانية وربما منشآت مرتبطة بالطاقة. وسيعتمد حجم الرد الإيراني على طبيعة الأهداف والخسائر: كلما اقتربت الضربة من تهديد بقاء النظام أو قدرته على تصدير النفط، ارتفعت احتمالات استهداف القواعد الأميركية والمنشآت الخليجية والملاحة الدولية.

في لبنان، تبدو العملية الموضعية في محيط علي الطاهر والقلعة والشقيف أكثر احتمالاً من الحرب الشاملة، وإن كانت قابلية الانتقال من ضربة محدودة إلى مواجهة أوسع مرتفعة. وفي اليمن والبحر الأحمر، يبقى التصعيد البحري والصاروخي من أكثر السيناريوهات ترجيحاً. أما في العراق، فمن المرجح استمرار الضغط والضربات على الفصائل، مع بقاء الحرب الداخلية احتمالاً مشروطاً لا سيناريو أساسياً.

ولا يبدو أن تركيا وإسرائيل تتجهان إلى مواجهة عسكرية مباشرة، كما لا تظهر مؤشرات كافية على غزو إيراني بري لدولة خليجية. الخطر الحقيقي يكمن في الصواريخ والمسيّرات، وضرب البنى التحتية، واستهداف الملاحة والقواعد العسكرية، وتفعيل الشبكات المسلحة العابرة للحدود.

المنطقة، إذاً، ليست أمام حرب مؤكدة في ساعة محددة، لكنها تقف في مرحلة أصبحت فيها كلفة الخطأ وسوء التقدير مرتفعة جداً. وقد تبدأ الجولة المقبلة بضربة محسوبة، ثم تتوسع إذا خرج الرد عن الحدود التي يتوقعها أحد الأطراف.