اليوم بلغتُ السبعين.
وصلت إليها مثقلًا بالراحلين، مشتاقًا إلى المنتشرين في جهات الأرض وراء الجبال و البحار و الصحارى، متعب الجسد أحيانًا، لكنني وصلت إليها شابَّ البوصلة، حيَّ السؤال، مؤمنًا بأن ما هو خير للناس يستحق أن نكافح من أجله.
أقول: بلغت السبعين، من دون أن أخفض صوتي خجلًا من الرقم، ومن دون أن أقيم احتفالًا صاخبًا حول شخصي. فالسبعون ليست وسامًا، ولا شهادة تلقائية بالحكمة، ولا حصانة من الخطأ. إنها عمر يسقط فيه عذر التأجيل، وتضيق فيه المسافة بين ما نؤمن به وما ينبغي أن نفعله.
في السبعين، لم يعد في الوقت متسع لمجاملة الرداءة، أو مهادنة الكذب، أو تأجيل كلمة الحق إلى موعد أكثر ملاءمة. ولم تعد ثمة حاجة إلى استرضاء من لا يرضيه إلا أن تتنازل عن نفسك، أو إقناع من اتخذ قرارًا ألّا يفهم.
بلغتُ السبعين شابًا.
لا أعاند المرآة، ولا أنكر تعب الجسد وما تركته السنوات فيه. أعرف أن القلب ليس في العشرين، وأن الخطوة لم تعد بالسرعة نفسها، وأن بعض المسافات صارت أطول. لكن الشباب الذي أعنيه ليس شباب العضلات ولا نضارة الصورة؛ الشباب أن يبقى عقلك قادرًا على التعلّم، وقلبك قادرًا على المحبة، وضميرك قادرًا على الغضب.
الشباب أن يظل الظلم قادرًا على إيلامك، والجمال قادرًا على إدهاشك، والمعرفة قادرة على إقناعك بأنك لا تزال في أول الطريق. أن تغيّر رأيك حين تهزمه الوقائع، من دون أن تغيّر قيمك كلما تغيّرت الرياح. وأن تعترف بأن شابًا يصغرك بأربعين سنة قد يعرف ما لا تعرفه، وأن تفرح بفكرة جديدة، وصداقة جديدة، وأداة لم يعرفها جيلك.
فالشيخوخة ليست تجعّد الوجه؛ الشيخوخة أن يتقاعد الفضول، وأن يتحول اليقين إلى حجر، وأن يظن المرء أن أقدميته تمنحه حق الوصاية على الشباب.
لا أحمل إلى الناس سبعين وصية، ولا أدّعي أنني عرفت أسرار الحياة. تلقيت دروسها عنوة، وأخطأت في الناس والأفكار والتقديرات. منحت ثقتي أحيانًا لمن لم يستحقها، وخضت معارك لم تكن نتائجها بقدر عدالتها، وراهنت على مؤسسات وأشخاص خيّبوا الرهان.
لكنني أستطيع القول إنني لم أبع بوصلتي، ولم أتعلّم الحياد بين الظالم والمظلوم، ولم أقبل أن تنفصل السياسة عن الأخلاق، أو أن تصبح المعرفة زينة، أو أن تتحول خدمة الناس إلى سُلّم يصعد عليه الانتهازيون.
التقاعد من الوظيفة حق اجتماعي ناضلت أجيال من أجله، وينبغي الدفاع عنه. أما التقاعد من الحياة، ومن التفكير، ومن محبة الناس، ومن الشأن العام، فهو استقالة لا أجد سببًا لتقديمها.
قد تنتهي الوظيفة، ويسقط اللقب، ويُغلق المكتب، ويغادر الأستاذ صفّه؛ لكن المواطن لا يتقاعد، والضمير لا يُحال إلى المعاش، والمعرفة التي لا تُنقل إلى جيل جديد تصبح مخزنًا مغلقًا.
وكل العلوم والتقنيات والخبرات التي أمضينا أعمارنا في تحصيلها لا قيمة لها إن لم تساعد في إغاثة ملهوف، أو إطعام جائع، أو حماية كرامة، أو تخفيف وجع، أو جعل حياة إنسان أقل قسوة. فلا قضية أثمن من الحياة البشرية، ولا معنى للحياة منفصلًا عن القيم والأخلاق.
أبلغ السبعين والراحلون يؤلمون ولا يُنسون، والمنتشرون يوجعون ببعدهم، ونحن ننتظر اللقاء. وفي البيت غيابان كبيران.
أمي، أم نصير، لم تتقاعد من الانحياز إلى العمال والفقراء والنساء والأطفال حتى رحلت على أعتاب المئة. كانت معلمة ومزارعة ومناضلة، وظلّ همّ الناس يسكنها حتى حين تراجعت الذاكرة.
وأبي، الذي رحل قبل أسابيع وقد ناهز الخامسة والتسعين، لم يتقاعد يومًا من القراءة والتفكير والنقد والتعلّم. بقي عقله شابًا وفضوله يقظًا، ولم يعرف من السلطة إلا سلطة الإقناع. لم يترك لي أملاكًا أعدّها، بل ترك لي طريقة في النظر: أن أنحاز من دون عمى، وأن أختلف من دون كراهية، وأن أشك من دون أن أفقد الأمل.
فبأي حق أتقاعد أنا في السبعين؟
هذه أول ذكرى ميلاد أبلغها من دونهما معًا. لكنهما لم يتركا لي الحزن وحده؛ تركا لي عناد الاستمرار. علّماني أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات التي عشناها، بل بمقدار ما بقي فينا صالحًا للعطاء بعدما فعلت الخسارات فعلها.
لن أحوّل المناسبة إلى دفتر حضور للأحبّة. لكن امتناني ليس عبارة بروتوكولية أضعها في نهاية النص.
أنا ممتن لأسرتي التي احتملت انشغالي وهمومي ومعاركي، ولإخوتي وأهلي، وللأصدقاء والصديقات والرفاق الذين منحوا الصداقة حقها. ممتن لطلاب وطالبات دخلت صفوفهم معلّمًا وخرجت منها متعلّمًا. ولزملاء العمل الذين تقاسمنا نجاحات قليلة وإخفاقات كثيرة، ولم نتوقف عن المحاولة. ولمن فتحوا أمامي بابًا أخدم منه الناس، ووثقوا بي، وأتاحوا لي أن أستمر في العطاء.
وممتن لمن وضع يده في يدي في قرية أو جامعة أو مشروع أو وزارة أو معركة عامة؛ فلست صنيعة نفسي وحدي، وما كنت لأقطع هذا الطريق لولا من حملوني حين تعبت، ونبّهوني حين أخطأت، وأفسحوا لي مكانًا حين ضاق المكان.
في السبعين، لا أطمح إلى إقامة تمثال لسيرة مضت. ما أريده أبسط وأصعب: أن أبقى نافعًا، لا أن أبدو مهمًا؛ أن أتيح مكانًا لمن يأتي بعدي، لا أن أحوّل الخبرة إلى امتياز؛ وأن أنقل ما أعرف بتواضع، وأتعلّم ممن أنقل إليهم.
أريد أن أبقى منحازًا إلى دولة تحمي الناس، لا إلى سلطة تأكلهم لحمًا وترميهم عظمًا؛ وإلى وطن حرّ سيد، لا يُستعمل ساحة لحروب الآخرين، ولا تُضبط ساعته إلا على توقيت أهله؛ وإلى حرية لا تتحول سيفًا على المختلفين؛ وإلى عدالة لا تُختصر بصدقة يمنحها الأقوياء لمن سلبوهم حقوقهم.
سأبقى مع الإنسان لا مع العصبيات التي تمزقه، ومع الدولة لا مع الغنيمة، ومع الجماعة لا مع الغانمين، ومع الحق حين يصبح قوله مكلفًا، ومع الحياة في وجه كل من يحوّل البشر إلى وقود لقضاياه.
قد تتغيّر أدوات الكفاح، لكن الحاجة إليه لا تنتهي. قد تخف سرعة الخطوة، لكن البوصلة لا تشيخ. وقد لا نربح كل معاركنا، لكن الهزيمة الحقيقية هي أن نعتاد الظلم، أو أن نفقد القدرة على الاعتراض، أو أن نكف عن الحلم بحياة أفضل للناس.
كنت في الأعوام الماضية أكتب عن عتبة السبعين. أما اليوم فقد عبرتها. لا أقف على الضفة أتأمل الماء، ولا ألوّح مودعًا لمن يكملون الطريق. ما دام في القلب متسع لمحبة جديدة، وفي العقل سؤال لم يُجب عنه، وفي اليد قدرة على العمل، فالطريق لا يزال مفتوحًا.
خلفي سبعون عامًا. أما ما أمامي فلست معنيًا بعدّه. شأني ليس كم بقي من الأيام، بل ماذا أفعل باليوم الذي يُمنح لي.
يقولون: صار من حقك أن ترتاح.
نعم، من حق الجسد أن نرفق به، وأن نمنحه ما يحتاج إليه كي يواصل. لكن من قال إن الراحة هي الانسحاب؟ ومن قال إن لها معنى أجمل من أن تخفف حملًا عن كتف متعب، أو تفتح بابًا أمام شاب، أو تمنح مظلومًا صوتًا، أو تزرع بعض الأمل في وطن أنهكه اليأس؟
بلغت السبعين شابًا؛ لا لأن جسدي لم يتعب، بل لأنني لم أتقاعد من السؤال، ولم أساوم على حق الإنسان في الحرية والكرامة والإنصاف.
نحن نتقاعد من الوظائف حين يحين وقتها، لكننا لا نتقاعد من الحياة، ولا من محبة الناس، ولا من الكفاح من أجل وطن حرّ سيد ودولة عادلة.
شكرًا من القلب لكل من تذكّرني، ولكل من مشى معي خطوة، ولكل من أتاح لي أن أستمر في العطاء. وشكرًا لمن لا يزال يرى راحته في تخفيف أحمال المتعبين، ويراهن، مثلي، على أن في الإنسان ما يستحق الأمل.
ما دمت أستطيع أن أحمل مع متعب طرفًا من حمله، فأنا في أول العمر، لا في آخره.