هل كانت الستالينية انحرافًا عن اللينينية أم احتمالًا كامنًا فيها؟
في المقال السابق، طرحت جملة مآخذ على اليسار الذي أحببناه، وحاولت أن أميّز بين نقد التجربة والتنكر لها، وبين مراجعة الفكر والانقلاب إلى ضفته المضادة. لم يكن القصد إصدار حكم أخير على الشيوعية، ولا اختزال تاريخها في أخطائها، بل فتح باب ظل مغلقًا طويلًا: كيف تحولت حركة أرادت تحرير الإنسان من الاستغلال والخوف إلى أحزاب لم تستطع، في كثير من الأحيان، تحرير أعضائها من الخوف من القيادة؟
السؤال هنا ليس عن ستالين وحده، ولا عن لينين وحده، ولا عن خالد بكداش أو هذه القيادة اللبنانية أو تلك. إنه سؤال في التنظيم والسلطة: ماذا يحدث حين يعتقد حزب أنه يحمل حقيقة التاريخ، وأنه يعرف مصلحة الطبقة العاملة أكثر مما تعرفها الطبقة نفسها، وأن وحدته شرط لانتصار قضية تتجاوز الأفراد؟ وماذا يبقى من الديمقراطية عندما يصبح كل اعتراض تهديدًا للوحدة، وكل تمايز احتمال انشقاق، وكل انشقاق خدمة موضوعية للعدو؟
هل أخفقت المركزية الديمقراطية لأن قادة سيئين شوهوها، أم أن في بنيتها اختلالًا يجعل مركزيتها قابلة للتوسع وديمقراطيتها قابلة للانكماش؟ وهل كانت الستالينية انقلابًا كاملًا على اللينينية، أم أنها استثمرت عناصر موجودة فيها ودفعتها إلى نهايات لم يكن الوصول إليها حتميًا، لكنه كان ممكنًا؟
هذه الأسئلة لا تُجاب بالشعار. فالقول إن كل شيء كان سليمًا حتى جاء ستالين يبرئ البنية ويحمّل فردًا واحدًا مسؤولية نظام كامل. والقول إن لينين كان ستالين قبل أوانه يلغي الفروق التاريخية والفكرية والسياسية بين مرحلتين، ويحوّل التاريخ إلى خط مستقيم لا صراعات فيه ولا احتمالات بديلة.
بين التبرئة الكاملة والإدانة الكاملة توجد مساحة أوسع وأصعب: الاعتراف بأن الستالينية لم تكن النتيجة الوحيدة الممكنة للينينية، لكنها لم تهبط عليها من خارج تاريخها.
ما اللينينية؟
لم تكن اللينينية في بدايتها كتابًا تنظيميًا مغلقًا، ولا مجموعة قواعد ثابتة تصلح لكل البلدان والأزمنة. لقد نشأت في روسيا القيصرية، في ظل دولة بوليسية تمنع التنظيم السياسي، وتراقب الصحافة، وتعتقل المعارضين وتنفيهم، وتدفع الحركات الثورية إلى السرية.
في مثل هذه الظروف لم يكن السؤال: كيف ننشئ حزبًا ديمقراطيًا علنيًا يتنافس في الانتخابات ويعقد مؤتمراته أمام الصحافة؟ بل كان: كيف يمكن تنظيم حركة لا تستطيع الإعلان عن أعضائها، ولا حفظ سجلاتها، ولا حماية اجتماعاتها، ولا ضمان أن يبقى قادتها خارج السجن؟
من هنا جاءت أهمية «الثوري المحترف» والتنظيم القادر على الاستمرار، وتقسيم العمل، وكتمان المعلومات الأمنية، وإنشاء خلايا لا يعرف بعضها كل ما يعرفه بعضها الآخر. لم يكن ذلك كله نزوة عسكرية، بل جوابًا على واقع القمع القيصري.
لكن لينين، خلافًا للصورة المبسطة التي صُنعت له لاحقًا، لم يقل إن حصر الوظائف السرية في أيدي مجموعة صغيرة يعني أن تفكر هذه المجموعة بدل الجميع. لقد ميّز بين مركزية العمل السري وبين مركزية الحركة كلها، ورأى أن تولّي عدد محدود من الثوريين المحترفين المهام التي تحتاج إلى السرية يجب أن يسمح لأوسع الجماهير بالمشاركة في الصحافة والنقابات والنوادي والحركة العامة، لا أن يلغيها. [1]
وفي سنة 1906، حين كان يناقش حدود النقد ووحدة العمل، دافع عن حق أعضاء الحزب في نقد قرارات المؤتمرات، حتى في الصحافة والاجتماعات العامة، ما دام النقد لا يتحول، أثناء تنفيذ عمل محدد، إلى دعوة لإفشاله. كانت الصيغة، في أصلها، أقرب إلى: حرية كاملة في النقاش، ووحدة مؤقتة في الفعل المحدد؛ لا إلى الطاعة الدائمة للقيادة، ولا إلى تحريم الاعتراض بعد صدور القرار إلى الأبد. [1]
إذًا، لم تكن المركزية الديمقراطية، في صياغتها الأولى، تعني أن الأمين العام هو الحزب، أو أن اللجنة المركزية لا تُخطئ، أو أن العضو يسلّم عقله إلى مسؤوله. كانت محاولة للجمع بين أمرين يصعب جمعهما: نقاش واسع وقرار قابل للتنفيذ.
لكن المشكلة لم تكن في النص وحده. كانت في ما يمكن أن يحدث للنص حين ينتقل من تنظيم مطارد إلى حزب حاكم، ومن مرحلة استثنائية إلى نظام دائم، ومن وحدة الفعل حول مهمة محددة إلى وحدة الفكر والرأي واللغة والذاكرة.
حين تتحول الضرورة إلى فضيلة دائمة
تحتاج التنظيمات السرية إلى الحذر. وقد تحتاج إلى ألا يعرف العضو جميع أسماء رفاقه، أو تفاصيل مهمة لا يشارك فيها، أو مصدر التمويل، أو مكان الطباعة، أو موعد تحرك معين. غير أن ما يكون ضرورة أمنية في مواجهة البوليس قد يتحول، مع الوقت، إلى ثقافة سياسية.
تبدأ المسألة بحماية المعلومات من العدو، ثم تنتهي بحجب المعلومات عن الأعضاء. يبدأ تقسيم العمل بمنع أجهزة الأمن من الوصول إلى الشبكة كلها، ثم يتحول إلى تقسيم بين قيادة تعرف وتقرر، وقاعدة تنفذ وتثق. وتبدأ الثقة باعتبارها شرطًا للأمن، ثم تصبح معيارًا للترقية الحزبية والسياسية.
في هذه اللحظة لا يعود السؤال المطروح على الكادر: هل أنت قادر على التفكير المستقل، وعلى اكتشاف أخطاء القيادة، وعلى التعبير عنها بشجاعة؟ بل يصبح: هل يمكن الاعتماد عليك؟ هل تحفظ السر؟ هل تنفذ القرار؟ هل تستطيع العمل مع القيادة؟ هل تفهم طريقتها ولا تربكها بالاعتراضات؟
لا تكون هذه المعايير كلها خاطئة بالضرورة. فكل تنظيم يحتاج إلى أشخاص موثوقين ومتعاونين وقادرين على تنفيذ ما يتفق عليه. لكن الخطر يبدأ حين تصبح قابلية التعاون مع القيادة أهم من قابلية القيادة للاستماع إلى النقد، وحين يصبح فهم طريقة عمل المسؤول مرادفًا لفهم السياسة، وحين تتحول الثقة الشخصية إلى بديل من القواعد المؤسسية.
هنا يمكن أن ينجح القائد في السيطرة من دون أن يصدر أمرًا واحدًا صريحًا. يكفي أن يفهم المحيطون به ما يرضيه وما يغضبه، ومن يفضله ومن لا يرتاح إليه، وأي رأي يُعتبر ناضجًا وأي رأي يُعتبر مشاغبة. فتتكيف الكوادر، ويصبح كل واحد رقيبًا على نفسه، ويقول أقل مما يفكر، ثم يفكر تدريجيًا في الحدود التي يستطيع قولها.
لا يحتاج الاستخدام الكيفي للسلطة دائمًا إلى قرار بالطرد. قد يكفي ألّا يُدعى الرفيق إلى الاجتماع، أو ألا يُرشح إلى موقع، أو أن تُنقل عنه ملاحظة غير موثقة، أو أن يوصف بأنه صعب أو فردي أو مثقف منفصل عن القاعدة أو ضعيف الصلابة العقائدية.
ولا يُعاقب الرأي هنا بوصفه رأيًا، بل يعاد توصيفه كخلل في السلوك: عدم انضباط، ضعف ثقة، طموح شخصي، نزعة تكتلية، تأثر بالبرجوازية، أو عدم فهم للمرحلة. وبذلك تتحول الخلافات السياسية إلى ملفات أخلاقية وتنظيمية، ويصبح إثبات البراءة منها شبه مستحيل.
لماذا لا يطالب العضو الجديد بديمقراطية التنظيم؟
ينضم معظم الناس إلى الحركات الكبرى لأن قضية ما مستهم: ظلم وقع على العمال، احتلال، فقر، تمييز، حلم بالمساواة، أو رغبة في الانتماء إلى جماعة تبدو أكثر نبلاً من المجتمع المحيط بها. نادرًا ما يدخل العضو الجديد وهو يسأل عن النظام الداخلي، أو مدة ولاية الأمين العام، أو استقلال لجنة الرقابة، أو حق الأقلية في نشر رأيها.
في البدايات تبدو القضية أكبر من هذه التفاصيل. ويشعر الأعضاء بأنهم متقاربون في الفكر والغاية إلى حد يجعل الخلافات التنظيمية صغيرة. فإذا كنا جميعًا ضد الاستغلال، ومع التحرر والعدالة وفلسطين والعمال، فما أهمية الاختلاف حول فقرة أو قرار أو طريقة انتخاب؟
لكن التجانس الأيديولوجي الظاهر يخفي فروقًا حقيقية في المصالح والشخصيات والتقديرات. ومع اتساع الحزب، تظهر أسئلة لا تقدم العقيدة جوابًا واحدًا عنها: هل نتحالف مع هذه السلطة؟ هل نشارك في الحرب؟ هل نقبل التقسيم؟ هل نتبع الموقف السوفياتي؟ هل نؤيد الوحدة؟ هل نقاوم الاحتلال من داخل الدولة أم من خارجها؟ هل نرفع السلاح في نزاع داخلي؟
عندئذ يتبين أن الخلاف ليس هامشيًا. لكن العضو يكون قد تربى على أن القضية واحدة والحقيقة واحدة والحزب تعبير عنها. فيصبح اختلافه مع القيادة خلافًا مع الجماعة التي أعطت لحياته معنى، لا خلافًا عاديًا في السياسة.
تضاف إلى ذلك آلية تقديم الكادر. فمن الطبيعي أن تختار القيادة أشخاصًا تعرفهم وتثق بهم وتستطيع العمل معهم. لكن تراكم هذا الاختيار عبر السنين ينتج قيادة تشبه نفسها: ترفع من يفهم إشاراتها، وتستبعد من يطرح أسئلة تربك إيقاعها، وتكافئ من يحوّل توجيهاتها إلى قناعة، لا من يختبرها ويصححها.
وهكذا لا تنتصر القيادة لأنها أقنعت جميع الأعضاء في نقاش حر، بل لأنها شاركت مسبقًا في تشكيل الجسم الذي سيناقشها وينتخبها.
سنة 1921: الاستثناء الذي لم ينته
تعرضت الثورة الروسية، بعد سنة 1917، لحرب أهلية وتدخلات خارجية وانهيار اقتصادي ومجاعة واضطراب اجتماعي واسع. وكانت القيادة البلشفية تخشى سقوط النظام وانهيار الحزب من الداخل. في هذا السياق انعقد المؤتمر العاشر للحزب سنة 1921 واتخذ قرارًا بحل التكتلات ومنع النشاط الفئوي داخل الحزب، ومنح اللجنة المركزية صلاحيات واسعة لمعاقبة من يواصل العمل التكتلي، حتى لو كان عضوًا فيها. [2]
يمكن فهم الخوف الذي أنتج القرار، لكن فهمه لا يجعله محصنًا من النقد. فالقرار الذي قُدّم بوصفه تدبيرًا لحماية الحزب في ظرف استثنائي لم يحدد نهاية واضحة للاستثناء، ولم ينشئ ضمانة مستقلة تمنع القيادة من تعريف كل معارضة بوصفها تكتلًا.
منذ تلك اللحظة أصبح ممكنًا أن تقول القيادة للمعارض: تستطيع أن تناقش، لكن لا يحق لك أن تتنظم مع الذين يشاركونك الرأي. ويستطيع العضو أن يعترض فرديًا، لكن لا يستطيع تحويل اعتراضه إلى قوة سياسية داخل الحزب. وهكذا يبقى الحق في الكلام، فيما تُسحب منه القدرة على التأثير.
الرأي الفردي الذي لا يملك منبرًا ولا تيارًا ولا وسيلة لتجميع المؤيدين يتحول إلى تنفيس، لا إلى مشاركة في القرار. تستطيع القيادة أن تستمع إليه، ثم تمضي في طريقها، بينما يظل تنظيم المؤيدين لوجهة نظرها مشروعًا ومشروعًا جدًا، لأنه يحمل اسم أجهزة الحزب الرسمية.
وحين اجتمع منع التكتلات مع احتكار الحزب للسلطة، واندماج الحزب بالدولة، وتراجع استقلال السوفيات والنقابات والصحافة، لم يعد هناك مكان خارجي يمكن للمعارضة أن تلجأ إليه. فالذي يخسر داخل الحزب لا يخسر انتخابات حزبية فحسب؛ قد يخسر موقعه وعمله وحمايته وحقه في الكلام، وربما حريته لاحقًا.
هنا بدأ الاختلال العميق: لم تعد المركزية الديمقراطية قاعدة لتنظيم حزب داخل مجتمع متعدد، بل تحولت تدريجيًا إلى قاعدة لتنظيم الدولة والمجتمع وفق إرادة حزب واحد، ثم وفق إرادة مركز واحد داخل الحزب.
هل كانت الستالينية موجودة في اللينينية؟
الجواب في عبارة واحدة: لم تكن الستالينية حتمية في اللينينية، لكن بعض شروط إمكانها كانت موجودة فيها.
لم يكن لينين ستالين. كانت داخل الحزب البلشفي في عهد لينين مناقشات حادة، وقيادات قوية ومستقلة، وخلافات علنية حول الثورة والحرب والسلام والنقابات والسياسة الاقتصادية. ولم يكن لينين قادرًا دائمًا على فرض رأيه لمجرد أنه القائد.
كما أن الستالينية لم تكن مجرد مركزية حزبية مشددة. لقد بنت نظامًا نوعيًا يقوم على السلطة الشخصية، وتقديس القائد، والتطهير الواسع، والاعترافات القسرية، وإعادة كتابة التاريخ، والرقابة الشاملة، والتهجير الجماعي، وربط الصواب النظري برضى المركز السياسي.
لكن ستالين لم يبدأ من صفحة بيضاء. لقد ورث حزبًا يحتكر السلطة، ودولة لا توجد فيها معارضة قانونية مستقلة، وقرارًا يمنع التكتلات، وأجهزة قمع توسعت في الحرب الأهلية، وثقافة سياسية تميل إلى اعتبار الخلاف خطرًا على الثورة، ونظرية تجعل الحزب طليعة تمتلك وعيًا لا تمتلكه الجماهير بصورة تلقائية.
كانت هذه كلها مواد قابلة لأن يعاد تركيبها في نظام أشد قسوة. أضاف ستالين إليها سيطرته على التعيينات والجهاز الحزبي، وحوّل الأمانة العامة من وظيفة تنظيمية إلى مركز لتوزيع المواقع والامتيازات، ثم استخدم هذا المركز لإعادة تشكيل الهيئات التي يفترض أن تحاسبه.
فالقيادة لم تعد نتيجة الحزب فقط؛ صار الحزب نفسه، في تركيبته ومؤتمراته وانتخاباته، نتيجة قرارات القيادة.
من هنا لا تكفي عبارة إن ستالين «شوّه» المركزية الديمقراطية. فهو شوّهها بالتأكيد، لكنه استطاع ذلك لأن بنيتها لم تحتوِ ضمانات كافية تمنعه. لم تكن هناك محكمة حزبية مستقلة، ولا حق مضمون في تشكيل تيار، ولا صحافة حزبية متعددة، ولا حدود زمنية للقيادة، ولا فصل واضح بين من يوجه الاتهام ومن يحقق فيه ومن يصدر العقوبة.
وما بدأ بمنع التكتلات انتهى بمنع التفكير خارج اللغة الرسمية. وما بدأ بوحدة الفعل انتهى بوحدة الرواية والذاكرة، حتى صار الأشخاص الذين شاركوا في صنع الثورة يختفون من صورها وكتبها وتاريخها.
النازية والفاشية: خطر حقيقي لا صك براءة
لا يجوز بحث الستالينية من دون إدراك حجم التحول الذي أحدثه صعود الفاشية والنازية. فقد واجه الاتحاد السوفياتي عدوًا أعلن عداءه للشيوعية، وبنى مشروعه على التوسع والحرب والعنصرية، ثم اجتاح جزءًا واسعًا من أوروبا ووصل إلى الأراضي السوفياتية.
كان الخوف من الحرب والتجسس والطابور الخامس حقيقيًا، وليس اختراعًا كاملًا. وأسهمت الحرب الإسبانية، وصعود هتلر، وعجز القوى الأوروبية عن ردعه، في ترسيخ شعور سوفياتي بالحصار وبأن مواجهة عسكرية كبرى قادمة. [3]
لكن التهديد الخارجي يفسر جانبًا من التشدد ولا يبرر الإرهاب. فالسلطة الستالينية لم تكتفِ بملاحقة جواسيس حقيقيين، بل صنعت من فكرة «العدو الداخلي» أداة سياسية واجتماعية. وشملت حملات التطهير قيادات شيوعية قديمة وضباطًا وعمالًا وفلاحين وأقليات وأشخاصًا لا صلة لهم بأي مؤامرة.
لقد ساعد خطر النازية ستالين على إطلاق يده، لكنه لم يجبره على اختيار الاعترافات المصطنعة والمحاكمات الصورية والعقوبات الجماعية. فالخطر الخارجي لا يحدد وحده شكل الرد عليه؛ القيادة هي التي تختار بين تعبئة المجتمع وإخضاعه، وبين تعزيز الثقة ونشر الخوف، وبين محاكمة المتهم على دليل وتحويل الشبهة إلى إدانة.
كانت الحرب عاملًا في بناء الستالينية وتوسيعها، لكنها ليست أصلها الوحيد ولا عذرها الأخلاقي.
الحزب الشيوعي السوري–اللبناني: من التجربة المحلية إلى النموذج المستورد
تكتسب هذه المناقشة معناها الأكثر قربًا عندما نعود إلى تاريخ الشيوعيين في سوريا ولبنان.
لم يبدأ الحزب الشيوعي في لبنان نسخة مصغرة عن الحزب السوفياتي. نشأ حزب الشعب اللبناني سنة 1924 من لقاء بين يوسف إبراهيم يزبك وفؤاد الشمالي وعدد من العمال والمنظمين النقابيين. وكانت جذوره الأولى متصلة بالحركة العمالية وبنقابة عمال التبغ، كما أصر مؤسسوه على استقلال تنظيمهم عن وصاية الحزب الشيوعي الفلسطيني. [4]
كان في تلك النشأة احتمال لتكوين شيوعية لبنانية ذات جذور نقابية وإنسانية ووطنية، لم تكن قد اكتملت ماركسيًا أو لينينيًا، لكنها كانت مرتبطة بتجربة الناس المباشرة أكثر من ارتباطها بمركز عقائدي بعيد.
ثم اندمج حزب الشعب مع عصبة سبارتاكوس، وتوسع التنظيم في سوريا، ودخل في علاقة عضوية مع الكومنترن، وتغير اسمه وهويته. ولم تكن العلاقة الأممية في ذاتها خطأ؛ فقد وفرت المعرفة والتدريب والتضامن والحماية المعنوية لحركات صغيرة مطاردة.
لكن العلاقة لم تبقَ تضامنًا بين متساوين. ومع إرسال كوادر إلى موسكو وتدريبها على النموذج السوفياتي، برز جيل جديد حمل معه تصورًا أكثر مركزية وصلابة عن الحزب. ويصف أحد المراجع الأكاديمية انتقال القيادة سنة 1932، وإقصاء فؤاد الشمالي، بأنه بداية «ستَلنة الحزب»، أي نقله من تجربة صنعتها الحركة العمالية المحلية إلى صورة صاغتها مراكز القوة الشيوعية والكومنترن. [4]
طُرد فؤاد الشمالي بناءً على اتهامات بصلات أمنية يصفها المرجع نفسه بأنها غير مثبتة وواهية. ولا أستطيع أن أجزم هنا بصحة كل الروايات المتداولة حول الواقعة، ومنها رواية مشاهدته قرب مركز للشرطة الفرنسية، لكن المؤكد أن مؤسسًا أساسيًا أُخرج من الحزب الذي كان له الدور الأبرز في بنائه، وأن روايته لم تحصل على المكان الذي تستحقه في الذاكرة الرسمية.
ولم يكن إبعاد المؤسس مجرد نزاع شخصي. كان إعلانًا مبكرًا أن شرعية العضو لا تستمد من تاريخه وتضحياته وحدهما، بل من مطابقته للخط الذي يحدده المركز في اللحظة الراهنة.
فرج الله الحلو: حين يتحول النقد الذاتي إلى طقس إخضاع
تظهر الآلية نفسها بصورة أكثر وضوحًا في تجربة فرج الله الحلو.
كان الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان قد رفض تقسيم فلسطين، ثم غيّر موقفه سريعًا بعد تأييد الاتحاد السوفياتي قرار التقسيم. وتشير المصادر إلى أن فرج الله الحلو وقياديين آخرين أبدوا تحفظهم، وأنه اقترح على الأقل إعلان خيبة الحزب من الموقف السوفياتي، لكن خالد بكداش رفض ذلك. [5]
لم يكن السؤال هنا فقهيًا: هل أخطأ الاتحاد السوفياتي في قرار دولي؟ بل كان سؤالًا في مصدر الحقيقة الحزبية: هل يستطيع حزب عربي أن يختلف مع موسكو في قضية تمس مباشرة شعب فلسطين وموقع الحزب بين جماهيره؟
بعد ذلك شُنت حملة على فرج الله الحلو واتُّهم باتخاذ موقف معادٍ للسوفيات، وأُبعد من القيادة، ثم فُرض عليه لاحقًا «نقد ذاتي» كي يحافظ على عضويته. [5]
النقد الذاتي، في أصله، يمكن أن يكون قيمة نبيلة: أن يراجع المرء نفسه، وأن يعترف بالخطأ، وأن يسمح للآخرين بمحاسبته. لكنه يفقد معناه كله حين تفرضه سلطة أعلى على شخص كي يبقى داخل الجماعة. عندها لا يعود نقدًا للذات، بل اعترافًا مطلوبًا، ولا يكون هدفه اكتشاف الحقيقة، بل إثبات خضوع المعترض.
والأخطر أن القيادة التي تطلب من الفرد نقدًا ذاتيًا لا تخضع نفسها للشرط ذاته. ففرج الله كان مطالبًا بمراجعة موقفه، أما المركز الذي غيّر سياسة الحزب تجاه فلسطين خلال أيام فلم يكن مطالبًا بتفسير التحول أو تحمل نتائجه.
وفي سنة 1959، بعد قيام الوحدة السورية–المصرية وتصاعد القمع ضد الشيوعيين، غادر خالد بكداش وعدد من أعضاء القيادة سوريا، وأُرسل فرج الله الحلو إلى دمشق لقيادة تنظيم يعرف أنه عاجز عن العمل فيها وأن الخطر عليه بالغ. لا يتيح ذلك القفز إلى اتهام الحزب بقتله؛ فالمسؤولية المباشرة عن اعتقاله وتعذيبه وقتله تقع على أجهزة الجمهورية العربية المتحدة. لكنه يترك سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا لا يجوز إقفاله: كيف اتُّخذ قرار إرساله؟ من قدّر الخطر؟ ولماذا كان عليه أن يذهب إلى موقع غادره الآخرون؟ [6]
كان فرج الله، بهذا المعنى، مضطهدًا مرتين: مرة داخل بنية أرغمته على نقد ذاتي لم يكن مقتنعًا به، ومرة على يد سلطة قومية أمنية قتلته لأنه بقي شيوعيًا.
تاريخ من الأسماء التي تحتاج إلى استعادة
لا يقتصر التاريخ الداخلي على فؤاد الشمالي وفرج الله الحلو. ثمة أسماء كثيرة لم تُدرس تجاربها بما يكفي: يوسف إبراهيم يزبك، فؤاد قازان، مصطفى العريس، هاشم الأمين، رئيف خوري، إميلي فارس إبراهيم، نسيب نمر، أوهانس إغباشيان، نخلة مطران، إدمون عون، بدر مرجان، حسن قريطم، صوايا صوايا، طنوس دياب، بطرس عيد، وسواهم من الكوادر والقواعد الذين اختلفت أسباب خروجهم أو إبعادهم أو تهميشهم.
ولا يجوز وضع جميع هؤلاء في خانة واحدة. فمنهم من اختلف فكريًا، ومنهم من انشق، ومنهم من اصطف مع هذا المركز الشيوعي أو ذاك، ومنهم من خاض نزاعًا على القيادة، ومنهم من ترك التنظيم من دون ضجيج. كما لا يجوز مساواة الإبعاد التنظيمي بالقتل أو السجن، ولا تحويل كل خلاف إلى بطولة من جهة ومؤامرة من الجهة الأخرى.
لكن كثرة الحالات وتكرار الأسلوب يفرضان السؤال.
فقد ظهرت، تأثرا بالرحيل المبكر لعمر فاخوري، مجموعة غير مرضي عنها ضمت مثقفين شيوعيين أو قريبين من الشيوعية، من بينهم رئيف خوري وإميلي فارس إبراهيم، عُرفت باسم «إخوان عمر». ولا تزال طبيعة علاقتها بفرج الله الحلو أو الاتهامات التي وُجهت إليها، ومنها «التيتوية»، تحتاج إلى تحقق دقيق.
وكان فؤاد قازان من الكوادر البارزة التي التحقت بالنضال الأممي ضد الفاشية في إسبانيا، ثم عاد ليبعد من جديد كرابط مع الحزب الشيوعي الفرنسي. أما بدر مرجان، القائد الشعبي في طرابلس، فإن الرواية التي تتحدث عن اتهامه بالجنون لا ينبغي تثبيتها تاريخيًا من دون وثيقة أو شهادة متقاطعة، لكنها تكشف، حتى بوصفها رواية متداولة، نوع اللغة التي يمكن أن يستخدمها التنظيم لإخراج الخلاف من المجال السياسي إلى المجال الشخصي والنفسي.
وفي سنة 1964 تبلورت معارضة تطالب بعقد مؤتمر للحزب ومحاسبة القيادة بعد عقود لم يُعقد فيها مؤتمر فعلي. وتشير الدراسات إلى أن المطالبين بالمؤتمر أُبعدوا، لكن الاعتراض استمر، وظهرت مجموعات وانتقادات تناولت القيادة والسياسات والبنية التنظيمية. [7]
بعد هزيمة سنة 1967، سحبت منظمات حزبية ثقتها من القيادة، وعُقد اجتماع موسع انتهى بإبعاد حسن قريطم وصوايا صوايا ومن وقف معهما. ثم عُقد المؤتمر الثاني سنة 1968 بعد خمسة وعشرين عامًا على المؤتمر الأول، وفتح مرحلة حيوية جديدة واستقطب الشباب وأتاح نقاشات كانت محظورة أو مؤجلة. [7]
كان المؤتمر الثاني فعل تغيير حقيقيًا، لكنه لم ينهِ منطق الإقصاء. فقد دخلت قيادات جديدة وخرجت قيادات قديمة، واستُعيد بعض المبعدين وأُبعد آخرون. وهنا تظهر مشكلة أعمق من الأشخاص: قد ينتصر تيار إصلاحي داخل بنية غير ديمقراطية، لكنه يستخدم بعد انتصاره الأدوات نفسها التي كان يعترض عليها.
يمكن أن يتغير أصحاب القرار فيما تبقى آلية القرار على حالها.
ولعل العبارة الأوضح في وصف هذه الأزمة جاءت من نسيب نمر، حين رأى أن التجربة نزعت من اللينينية ديمقراطيتها وأبقت مركزيتها، فتحولت المركزية الديمقراطية إلى ستار تخفي خلفه سلطة الفرد وعبادة الشخصية. [8]
مضطهدون مرتين
كانت الأحزاب الشيوعية العربية، في معظم تاريخها، أحزابًا ممنوعة أو ملاحقة. سُجن أعضاؤها وعُذبوا وطُردوا من وظائفهم، واتُّهموا بالإلحاد والخيانة والعمالة. وقُتل شيوعيون في سوريا والعراق ولبنان ومصر والسودان وغيرها على أيدي أنظمة قومية وعسكرية وملكية وطائفية.
هذه الحقيقة تفسر جانبًا من صلابة التنظيم وسريته وحساسيته تجاه الخلاف. فالحزب المحاصر يتعلم أن يرى الاختراق في كل مكان، وأن يربط الانقسام بخطر الاعتقال، وأن يطلب من أعضائه ثقة قد تكون ضرورية لحمايتهم.
لكن المأساة أن التنظيم المضطهد قد يعيد داخل نفسه إنتاج بعض منطق مضطهديه، وإن بدرجة مختلفة ومن دون امتلاك أدوات الدولة.
لا يملك الحزب المعارض سجنًا رسميًا أو جهاز مخابرات أو محاكم دولة، لكنه يملك وسائل أخرى للعقاب: الطرد، التشهير، العزل الاجتماعي، محو الدور التاريخي، وقف المساعدة، وإشعار العضو بأن حياته وتضحياته لم تعد تعني شيئًا لأنه اختلف مع الخط.
وهكذا يصبح بعض الشيوعيين مضطهدين مرتين: مرة على يد سلطة تكافح الشيوعية، ومرة على يد قيادة شيوعية لا تقبل من الشيوعي إلا أن يكون صورة مطابقة للقالب.
لا تعني المقارنة مساواة العقوبتين. فليس الطرد كالاعتقال والتعذيب والقتل. لكنها تعني أن الحزب الذي يطالب الدولة باحترام الإنسان لا يُعفى من احترام الإنسان داخل صفوفه.
هل المركزية الديمقراطية الشكل الأبدي للتنظيم الشيوعي؟
لا.
ليست المركزية الديمقراطية آية ماركسية، ولا الشكل الوحيد الممكن لتنظيم اليسار، ولا قانونًا اكتشفه لينين يصلح لكل زمن. إنها صيغة تاريخية نشأت في شروط محددة، وأعيد تعريفها مرات، وتباين تطبيقها من حزب إلى آخر.
وقد تخلت أحزاب شيوعية لاحقًا عن المركزية الديمقراطية، أو أعادت تفسيرها، أو استبدلت بها أنظمة تسمح بتيارات داخلية وتعدد الآراء وحرية التصويت. ولم يؤد ذلك تلقائيًا إلى زوال كل تلك الأحزاب أو إلى انتقالها إلى اليمين. [9]
يمكن أن تكون الخلايا السرية ضرورية في ظل الاحتلال أو الدكتاتورية أو الملاحقة. لكن الخلية الأمنية لا ينبغي أن تصبح النموذج الأبدي للحياة السياسية. فما يصلح لإخفاء مطبعة عن الشرطة لا يصلح بالضرورة لكتابة برنامج اقتصادي، أو اختيار مرشح للانتخابات، أو تحديد موقف من حرب أهلية.
العمل الأمني يحتاج إلى مبدأ «الحاجة إلى المعرفة»؛ أما السياسة فتحتاج إلى حق المعرفة.
العملية السرية قد تتطلب قائدًا ميدانيًا وقرارًا سريعًا؛ أما الحزب الذي يريد تمثيل مجتمع متنوع فيحتاج إلى نقاش ومعلومات وتعدد خبرات وحق في الاعتراض.
حين يُعمم نموذج الخلية على الحزب كله، يصبح الأعضاء جنودًا، والقيادة هيئة أركان، والخصم عدوًا، والاختلاف عصيانًا. لكن الحزب السياسي ليس جيشًا، حتى عندما يواجه عدوًا. الجيش مهمته تنفيذ قرار صادر عن سلطة سياسية شرعية، أما الحزب فوظيفته أن يشارك في إنتاج القرار السياسي نفسه. فإذا تنظّم الحزب كجيش دائم، فمن ينتج قراره غير قائده؟
هل التنظيم اللينيني خيار نخبوي؟
فيه نزعة نخبوية واضحة، لكنها ليست مجرد احتقار للجماهير.
انطلق لينين من فكرة أن الوعي السياسي لا يتولد تلقائيًا من النضال الاقتصادي وحده، وأن الحركة تحتاج إلى تنظيم وخبرة ونظرية وقيادات متفرغة. وفي ذلك جانب صحيح: لا تستطيع حركة كبيرة أن تعمل من دون معرفة وخبرة وتنسيق وتخطيط.
لكن الخطر يبدأ حين تنتقل الفكرة من القول إن القيادة تملك معرفة متخصصة إلى القول إنها تعرف المصلحة التاريخية للناس أكثر منهم، ثم إلى اعتبار اعتراض الناس دليلًا على وعيهم الناقص.
تتحول الطليعة عندئذ من أداة لخدمة المجتمع إلى وصي عليه. وتتحول الخبرة إلى امتياز، والنظرية إلى سلطة، والقائد إلى مفسر للحقيقة.
المشكلة ليست في وجود نخبة. كل مؤسسة تنتج أشخاصًا أكثر خبرة وتفرغًا من غيرهم. المشكلة هي: هل هذه نخبة خدمة تخضع للمحاسبة ويمكن استبدالها، أم نخبة وصاية تعتقد أن موقعها يمنحها حق تعريف الحقيقة والخطأ والوعي والانحراف؟
نحتاج إلى قيادات، لكننا لا نحتاج إلى قادة لا يمكن تغييرهم. نحتاج إلى خبراء، لكن الخبرة لا تمنح صاحبها سلطة أخلاقية مطلقة. ونحتاج إلى وحدة في بعض الأعمال، لكن وحدة العمل لا تقتضي وحدة الفكر.
ما البديل؟
ليس البديل حزبًا سائلًا لا قرار له، ولا شبكة إلكترونية تنتهي عند تبادل التعليقات، ولا جماعة يملك كل فرد فيها حق تعطيل الجميع.
التنظيم ضرورة، لأن المال والسلطة والدولة والشركات والطوائف والميليشيات جميعها منظمة. ولا يمكن مواجهة قوى منظمة بأفراد متفرقين مهما كانت أفكارهم نبيلة.
لكن التنظيم الجديد يستطيع أن يميّز بين مستويات مختلفة:
مساحة فكرية وسياسية مفتوحة تسمح بتعدد الاجتهادات وإنتاج المعرفة والنقد العلني؛ وتنظيم سياسي منتخب يتخذ قرارات قابلة للمراجعة وتخضع قيادته للمحاسبة؛ وبنية أمنية محدودة لا تستخدم إلا عندما تفرضها الملاحقة أو خطورة مهمة معينة، ولا تتحول إلى نموذج لحكم الحزب كله.
يجب أن يقوم التنظيم الديمقراطي الجديد على حق الأعضاء في تكوين تيارات معلنة، وعلى تحديد مدة المسؤوليات القيادية، وعلى فصل القيادة التنفيذية عن أجهزة الرقابة والطعن، وعلى حماية الأقلية من الانتقام، ونشر القرارات والمحاضر والحسابات، ومنع العقوبة بسبب الرأي، وإقرار حق العضو في عدم الدفاع علنًا عن قرار يخالف ضميره، ما دام لا يعمل على إفشال النشاط المتفق عليه في لحظته المحددة.
كما يحتاج إلى استقلال واسع للمنظمات المحلية، وإلى تداول حقيقي للمسؤوليات، وإلى مراجعة إلزامية للقرارات الكبرى بعد ظهور نتائجها. فالقيادة التي قررت الدخول في حرب أو تحالف أو مقاطعة يجب أن تعود إلى الأعضاء لتشرح ما تحقق وما فشل، لا أن تنتقل إلى شعار جديد وكأن القرار السابق لم يكن.
ولا ينبغي أن تكون وحدة العمل شيكًا على بياض. هي التزام محدود بزمان ومهمة وقرار معلوم. وبعد انتهاء المهمة يعود حق النقد والمراجعة كاملًا.
هذه الصيغة أقرب إلى التنظيم الهجين الذي تحتاج إليه أممية جديدة في القرن الحادي والعشرين: تنظيم قوي من دون مركز عالمي آمر، متجذر محليًا لكنه قادر على التنسيق عبر الحدود، يجمع الحزب والحركة والنقابة والمنصة المعرفية، ويؤمن أن التضامن الأممي لا يلغي الاستقلال الوطني والفكري.
هل بقي مكان للفكر الشيوعي؟
يبقى للفكر الشيوعي مكان ما دام الاستغلال قائمًا، وما دامت الثروة تتركز في أيدي قلة، وما دام العمل يُهمش، وما دامت التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي تتحول إلى مصادر جديدة للسلطة والاحتكار.
لكن ما يبقى ليس بالضرورة الحزب بالشكل الذي عرفناه، ولا العقيدة المغلقة، ولا المركزية الديمقراطية بصيغتها الموروثة، ولا الدولة التي يحتكرها حزب واحد.
يبقى من الشيوعية سؤالها الأخلاقي والاجتماعي الكبير: لماذا يملك البعض ما يفوق حاجاتهم بلا حدود، فيما يُحرم آخرون من شروط الحياة الكريمة؟ ومن يملك وسائل الإنتاج والمعرفة والبيانات؟ ومن يقرر اتجاه الاقتصاد؟ ولماذا يتحمل العمال والفقراء دائمًا كلفة الأزمات التي لم يصنعوها؟
ويبقى منها رفض تحويل الإنسان إلى سلعة، ورفض اعتبار السوق حكمًا أعلى من المجتمع، والإيمان بأن الحقوق الاجتماعية ليست صدقة، وأن الحرية السياسية من دون عدالة اجتماعية ناقصة، كما أن العدالة التي تلغي الحرية تتحول إلى سلطة جديدة.
لكن الفكر الشيوعي لن يعيش إذا أصر على أن وجوده مشروط ببقاء أشكاله التنظيمية القديمة. فالفكرة التي لا تستطيع تغيير أداتها تتحول إلى أسيرة لها، والحزب الذي يعتبر بنيته أبدية يضع نفسه خارج التاريخ الذي يدعي أنه يفهمه.
التنظيم الذي يستحق الإنسان
ليست المسألة أن نختار بين حزب حديدي قادر على الفعل لكنه يخنق أعضائه، وبين جماعة ديمقراطية جميلة عاجزة عن اتخاذ أي قرار. هذا الاختيار زائف.
التحدي هو بناء تنظيم يستطيع أن يكون قويًا لأنه ديمقراطي، لا على الرغم من الديمقراطية؛ وأن يملك قيادة لأن الأعضاء اختاروها ويستطيعون تغييرها، لا لأنها تحولت إلى ذاكرة الحزب وعقله وضميره؛ وأن يحفظ الأسرار التي تحمي الناس، لا الأسرار التي تحمي السلطة من الناس.
لم تكن الستالينية قدرًا حتميًا مكتوبًا في كل سطر كتبه لينين. لكنها لم تكن أيضًا حادثًا غريبًا لا علاقة له بما سبقها. لقد نمت في تربة صنعها احتكار الحقيقة والسلطة، وديمومة الاستثناء، ومنع التكتلات، واندماج الحزب بالدولة، ثم دفعها ستالين إلى نظام للرعب والوصاية الشخصية.
أما في تجربتنا السورية–اللبنانية، فلم تكن الستالينية نسخة كاملة عن الدولة السوفياتية؛ فالحزب لم يحكم ولم يمتلك دولة. لكنها ظهرت كثقافة تنظيمية: مركز خارجي يحدد الخط، قيادة مزمنة، مؤتمرات مؤجلة، نقد ذاتي مفروض، اتهامات بالانحراف، إبعاد للمؤسسين والمختلفين، وذاكرة تنتقي من يحق له البقاء داخل الرواية.
إن الوفاء لفؤاد الشمالي وفرج الله الحلو ورئيف خوري وفؤاد قازان ونسيب نمر وسائر الذين قدموا للتجربة أكثر مما أخذوا منها لا يكون بتحويلهم جميعًا إلى أبطال معصومين، بل بإعادة حقهم في الكلام وفي أن تُروى خلافاتهم كما كانت، لا كما أعاد المنتصرون داخل التنظيم صياغتها.
الحزب وسيلة، لا وطنًا بديلًا ولا عائلة مغلقة ولا كنيسة سياسية.
وحين يصبح الحفاظ على التنظيم أهم من الإنسان الذي أنشئ التنظيم من أجله، يكون الحزب قد بدأ يخون غايته، حتى لو ظل يردد أكثر الشعارات ثورية.
لا نريد يسارًا بلا تنظيم، بل تنظيمًا لا يصادر اليسار.
ولا نريد قيادة ضعيفة، بل قيادة قوية بشرعيتها وقابليتها للمحاسبة.
ولا نريد حرية تعجز عن الفعل، بل فعلًا لا يطلب من الإنسان أن يتنازل عن حريته.
فالثورة التي لا تحتمل الديمقراطية داخل صفوفها لن تحمل الديمقراطية إلى المجتمع، والحزب الذي لا يثق بأعضائه لا يستطيع أن يطلب من الشعب أن يثق به.
ويبقى السؤال الذي يجب ألا يغلق بعد هذا المقال: من يملك تاريخ الحزب؟ القيادة التي بقيت، أم جميع الذين أسسوا وناضلوا واختلفوا وأُخرجوا من روايته؟
ذلك هو السؤال الذي يقودنا من نقد البنية إلى استعادة الأسماء: من فؤاد الشمالي ويوسف إبراهيم يزبك إلى فرج الله الحلو وإخوان عمر، ومن معارضة الستينيات إلى المئات الذين غادروا بصمت، وبقيت مساهماتهم خارج الذاكرة الرسمية.
- اود الشارة الى ان هذه المقالات ليست نتاج عمل اقوم به اليوم و لكن هي نصوص كتبتها عبر سنوات
- اعتذر لطول النص واشير الى وجود بعض المراجع اعرضت عن نشرها قد انشرها لاحقا