لم يعد جائزًا في لبنان أن تُستعمل اللغة المخففة، ولا أن تُرتَّب الجمل على نحوٍ يُخفي حقيقة ما يجري وراء ألفاظ مطمئنة أو رمادية أو مراوِغة. ما يجري في جنوب لبنان ليس “جولةً” جديدة من جولات الحدود، وليس “تصعيدًا” يمكن احتواؤه ببعض المساعي الدبلوماسية أو بالتمنيات، وليس ضغطًا عسكريًا محدودًا يراد منه تحسين الشروط قبل وقف النار. ما يجري هو شيء أكثر خطورة وأشدّ دلالة: اجتياح بري قائم يتوسع على الأرض، ومحاولة إسرائيلية مكشوفة لفرض منطقة سيطرة حتى الليطاني، مع تدمير الجسور، ومنع عودة السكان، وتحويل الجنوب اللبناني إلى حيز مفصول عن بقيّة الوطن، يخضع لمنطق القوة الإسرائيلية وحدها. هذا ليس احتمالًا. هذا هو المسار الجاري. والتردد في تسميته يساوي التواطؤ مع تثبيته.
إسرائيل نفسها لم تعد تتكلم بلغة ملتبسة. لقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي في 31 آذار/مارس 2026 أن بلاده ستقيم “منطقة عازلة” في جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، وأنها لا تنوي السماح بعودة مئات آلاف اللبنانيين إلى جنوب الليطاني، مع الحديث عن تدمير منازل القرى الحدودية. وقبل ذلك بأيام، تحدثت التقارير عن ضرب الجسور على الليطاني وعن قطع الوصل بين الجنوب وعمق البلاد. حين تعلن القوة الغازية أنها ستعيد رسم المجال البشري والجغرافي، وتقرّر من يعود ومن لا يعود، وما الذي يُهدم وما الذي يُترك، وكيف تُفهم الحدود والسيادة والأمن، فإن المسألة تخرج من دائرة العمليات العسكرية المؤقتة وتدخل في منطق الاحتلال، حتى لو غُلّف هذا الاحتلال بتعبير “أمني” أو أُلصقت به ذريعة “الدفاع عن النفس”. الاحتلال ليس اسمًا تقرره البيانات الرسمية، بل واقعًا تصنعه السيطرة الميدانية وفرض الإرادة على أرض الغير.
وهنا تكمن الجريمة السياسية الكبرى: لا تُشن الحرب على الجنوب باعتباره منطقة مقاتلة فقط، بل باعتباره مجالًا بشريًا يراد تفكيكه وإعادة ترتيبه. أكثر من مليون نازح في لبنان خلال أسابيع، وأكثر من ألف قتيل، ومئات آلاف الأطفال المقتلعين من بيوتهم، ليست مجرد “أضرار جانبية” في حرب بين جيوش وتنظيمات. هذه أرقام تقول إن البلد كله يدفع ثمن مشروع كسر جماعي، لا ثمن معركة موضعية. فحين يُقتلع هذا العدد الهائل من الناس من بلدٍ صغير هش أصلًا، تصبح الحرب فعلًا يعيد تشكيل الاجتماع الوطني من أساسه: من يسكن أين؟ من يستقبل من؟ من يخاف من من؟ من يعتبر الآخر عبئًا؟ ومن يتهم الآخر بأنه جلب الحرب؟ عند هذه النقطة، لا تعود الحرب خارجية فقط، بل تبدأ بالتسلل إلى اللغة اليومية، إلى البيوت، إلى العلاقات بين الطوائف والمناطق، إلى المدن التي تضيق فجأةً بسكانها وبنازحيها معًا.
من هنا، ليس تفصيلًا عابرًا أن ترتفع في بيروت ومحيطها، وفي بعض الأحياء والمناطق، نبرة الحذر من استقبال النازحين أو الخوف من أن يجلبوا معهم القصف. هذا هو الوجه الأكثر فتكًا للحرب: أن تنجح في زرع الشك بين اللبنانيين، وأن تدفع جماعاتٍ لبنانية إلى النظر بعضها إلى بعض بمنظار الخطر الديموغرافي أو الأمني أو المذهبي. وعندئذ لا يعود الجنوب وحده هو المستهدف، بل تصبح الدولة كلها في مرمى إعادة التفكيك البطيء. فإسرائيل لا تحتاج دائمًا إلى احتلال كل لبنان كي تُضعفه؛ يكفيها أن تجرّ المجتمع إلى حال من التآكل الداخلي، وأن تحول النزوح إلى مادة خوف، والخوف إلى مادة انقسام، والانقسام إلى مادة شلل طويل. عندها تصبح الغارات جزءًا من الحرب، لكن ليست كلها. الجزء الأخطر هو ما تفعله هذه الغارات بالعقول والخرائط والعلاقات الداخلية.
أما الدولة اللبنانية، فالصورة فيها أقسى من أن تُجمَّل. بلدٌ يتعرض لهذا المستوى من القصف والاجتياح والنزوح، ثم يظهر عاجزًا عن إنتاج قرار سيادي موحّد، أو عن فرض إرادته على أرضه، أو عن تقديم خطاب سياسي يرقى إلى حجم الكارثة. حكومة منقسمة في حدود المواجهة مع حزب الله، مؤسسة عسكرية تنتظر أكثر مما تفعل، ورئاسة تُقرأ مواقفها على أنها ترددٌ في لحظة تحتاج إلى وضوح. نعم، قيل إن الحكومة حظرت الجناح العسكري لحزب الله، وقيل إن السفير الإيراني طُلِب إليه المغادرة، لكن الوقائع اللاحقة أظهرت أن قرار الدولة لا يزال أقل وزنًا من توازنات الحرب والداخل والإقليم. وهذا هو لبّ المأساة اللبنانية: دولة تعرف ما ينبغي قوله، لكنها لا تملك دائمًا قدرة تحويل القول إلى فعل.
غير أن المأساة لا تتوقف عند الدولة. فلبنان يدفع كذلك ثمن الحقيقة التي يهرب كثيرون من النطق بها: حزب الله هو الذي جرّ لبنان إلى هذه الحرب ضمن منطق إقليمي يتجاوز الدولة والناس ومصالح البلد. والحزب، في اندفاعه هذا، لم يبالِ بما أصاب البلاد، ولا بما أصاب بيئته نفسها، ولا بكون الشيعة اللبنانيين صاروا مرة أخرى الفئة التي تدفع الكلفة الأفدح من بيوتها وأرزاقها وأطفالها وأعصابها ومستقبلها. هذه ليست ملاحظة طائفية، بل توصيف لوقائع اجتماعية وسياسية باتت فادحة الوضوح. ومع ذلك، وهنا المفارقة التي لا يجوز إسقاطها، فإن إسرائيل بهجومها الكاسح قد تعيد إلى الحزب بعض ما خسره. فالاحتلال، أو شبه الاحتلال، والقصف واسع النطاق، ومنع العودة، وهدم القرى، كلها عوامل قادرة على إعادة إنتاج البيئة النفسية والسياسية التي يتغذى منها الحزب بوصفه “مقاومة”، حتى وهو المتسبب الأساسي في تعريض لبنان كله لهذه الكارثة. هذا هو الفخ اللبناني الكامل: حزب يجر البلد إلى الحرب، وعدو يشن حربًا من نوع يعيد للحزب شروط بقائه.
ولهذا بالذات، فإن الرهان الساذج على أن إسرائيل تُضعف حزب الله آليًا هو رهان لا يفهم شيئًا من تركيب المجتمع اللبناني. نعم، إسرائيل تستطيع أن تقتل وتدمر وتخرّب البنى والطرق والمنازل والمستودعات. لكنها كلما ذهبت أبعد في منطق الاجتياح والحزام الأمني ومنع العودة، اقتربت من إعادة إنتاج “الشرعية القتالية” التي كانت تريد القضاء عليها. فليس هناك هدية أكبر لأي تنظيم مسلح من أن يجد أرضه تحت الاحتلال المباشر أو المقنع، وأن يجد جمهوره بين الموت والاقتلاع والإذلال. عندها تبدأ اللغة القديمة بالعودة: المقاومة، الصمود، التضحيات، الأرض، الكرامة. وكلما عجزت الدولة عن ملء الفراغ، امتلأ الفراغ مجددًا بمن يمتلك السلاح والخطاب والقدرة على الادعاء بأنه الحامي الوحيد. هذه ليست نبوءة. هذا منطق سياسي مجرَّب في لبنان.
لكن الصورة أشد خطرًا من الجنوب نفسه. ليس ثمة ما يضمن أن تبقى النار محصورة هناك. الضغط على بيروت والضاحية صار واقعًا. والبقاع، بما يمثله من عمق اجتماعي وعسكري وحيوي، لا يمكن الاطمئنان إلى بقائه خارج دائرة الاستهداف طويلًا. وحين يصبح الجنوب مُفرغًا جزئيًا، والضاحية تحت إرهاب النار، والبقاع في دائرة القلق، فإن المعادلة تصبح أوضح: ليس المطلوب فقط إبعاد خطرٍ عن الجليل أو تأمين المستعمرات الشمالية، بل دفع لبنان كله إلى حافة إعادة التشكل تحت النار. إنها حرب على الجغرافيا والسكان والسيادة في آن واحد. ومن لا يرى ذلك، إما أنه لا يريد أن يرى، أو أنه لا يزال أسير لغة قديمة لم تعد تكفي لوصف ما يحدث.
هنا يجب أن يُقال الأمر بلا مواربة: الجنوب اللبناني لا يُعامَل اليوم كجزء من دولة ذات سيادة، بل كأرضٍ متاحة لإعادة الرسم العسكري. والضاحية لا تُعامَل كمجال مدني مأهول، بل كحيّز قابل للإخضاع بالرعب. والبقاع يُنظر إليه بوصفه احتياطًا للحرب المقبلة أو ساحة لاحقة للضغط. أي أن لبنان، في الحسابات الإسرائيلية، ليس دولة ندّية تُراعى حدودها، بل مسرح يمكن تقطيعه إلى أحزمة ومناطق عازلة وخرائط نفوذ وسكان فائضين. وإذا صحّ هذا التوصيف، فإن السؤال لم يعد: هل هناك عدوان؟ بل صار: أي لبنان يراد أن يخرج من هذه الحرب؟ لبنان مبتور الجنوب؟ لبنان المروّع ضاحيته؟ لبنان المهدَّد في بقاعه؟ لبنان المنهك بانقساماته؟ أم لبنان الذي يُترك حيًا بيولوجيًا، مكسورًا سياسيًا، عاجزًا عن امتلاك قرار الحرب والسلم معًا؟
ولا يقل خطورةً عن ذلك احتمال أن يتحول لبنان كله إلى ورقة تفاوض في مكان آخر. حين يصبح وقف النار في الجنوب جزءًا من مساومة أميركية–إيرانية أوسع، يفقد اللبنانيون مرة جديدة حقهم في تقرير مصيرهم، ويصبح مصيرهم ملحقًا بجدول مصالح لا يكتبونه هم. وعندئذ قد يجد لبنان نفسه أمام أسوأ الاحتمالات: لا هو استعاد سيادته على قرار الحرب، ولا هو نال حماية دولية فعلية من الاحتلال المقنّع، ولا هو خرج من نفوذ الحزب نهائيًا، بل دخل مرحلة جديدة يتقاطع فيها الاحتلال الخارجي مع العجز الداخلي مع الابتزاز الإقليمي. وهذه ليست فقط أزمة سيادة؛ إنها إهانة لفكرة الدولة نفسها.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله اللبنانيون اليوم هو التكيف مع الكارثة عبر تغيير القاموس بدل تغيير الواقع. لا ينبغي أن يُقال “توغل” حين يكون هناك اجتياح. ولا أن يُقال “منطقة أمنية” حين يكون هناك شريط احتلالي جديد. ولا أن يُقال “تعقيد إنساني” حين يكون هناك اقتلاع جماعي. ولا أن يُقال “حساسيات داخلية” حين يكون هناك خطر تمزيق أهلي. اللغة ليست زينة في زمن الحرب؛ اللغة جبهة أولى. ومن يخسر تسمية الأشياء، يخسر القدرة على مقاومتها سياسيًا وأخلاقيًا ووطنيًا. لذلك فإن أول واجب في هذه اللحظة هو استعادة الجرأة على التسمية: ما يجري عدوان بري موصوف، ومسار احتلالي يتقدم على الأرض، وحرب على المجتمع بقدر ما هي حرب على حزب الله، ومحاولة لإخضاع لبنان بالقوة وإعادة تعريف حدوده وسيادته من خارج إرادته.
ولأن المسألة بهذه الجسامة، فإن الرد المطلوب لا يكون بالإنكار ولا بالخطابة الفارغة، بل ببناء خطاب وطني واضح لا يساوي بين الضحية والجلاد، ولا يترك البلد رهينة ثنائية قاتلة: إما الاحتلال وإما الحزب. لبنان ليس محكومًا بهذا الخيار الحقير. لا يجوز أن يُقال للبنانيين إن عليهم أن يختاروا بين جيشٍ غازٍ يفرض الليطاني حدًا لسيادتهم، وبين تنظيم مسلح يربط مصيرهم بالقرار الإيراني. المطلوب هو قلب المعادلة: إدانة العدوان والاحتلال بوضوح كامل، وفي الوقت نفسه رفض كل منطق يصادر الدولة ويستدرج الحروب إليها من خارج مؤسساتها. عندها فقط يمكن إنتاج موقف وطني حقيقي، لا موقفًا يختبئ في نصف الحقيقة.
إن الجنوب اليوم لا يحتاج إلى لغة شفقة، بل إلى لغة حق. والضاحية لا تحتاج إلى رثاء، بل إلى حماية سياسية ووطنية وأخلاقية من منطق التدمير الممنهج. والبقاع لا يحتاج إلى انتظار دوره في النار، بل إلى يقظة استباقية ترى الخطر قبل أن يصل. أما الدولة اللبنانية، فإن لم ترتقِ إلى مستوى هذه اللحظة، فإنها لن تُسجَّل في التاريخ بوصفها دولة عجزت فقط، بل بوصفها دولة شاهدت إعادة رسم أرضها تحت النار ولم تجد الكلمات الكافية، ولا الإرادة الكافية، ولا الفعل الكافي.
ما يجري في جنوب لبنان ليس تمهيدًا لاجتياح. إنه الاجتياح نفسه. وليس احتمالًا لاحتلال. إنه بناء الاحتلال على مهل. وليس ضغطًا محدودًا. إنه مشروع إذلال طويل يريد للبنان أن يبقى حيًا بما يكفي ليتألم، وضعيفًا بما يكفي ليُعاد تشكيله، ومنقسمًا بما يكفي كي لا يقاوم بوصفه دولة واحدة.
هذا هو اسم الكارثة. وأول الطريق إلى مواجهتها أن تُقال كما هي