قُلْ: ليتني شمعةُ في الظلام

بشير عصمت

29/03/2026

وأنتَ تُعِدُّ فطورك، فكِّر بغيركَ
لا تَنْسَ قوتَ الحمام
وأنتَ تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيركَ
لا تنس مَنْ يطلبون السلام

إلى عاملات وعاملي الإغاثة، إلى الذين يصرفون الجهد ويعاندون البرد والوقت والتعب من دون ملل،إلى الذين يشقون ولا يشكون، الذين يصرفون من صحتهم  من اعمارهم ويتركون عائلاتهم وأيامهم وأعيادهم معلّقة على باب الواجب، باب الخدمة  فلا فطرًا يكتمل كما ينبغي، ولا شعانين تُعاش ببهجتها، لأن في مكانٍ ما إنسانًا ينتظر ايواء ، دواء، أو غطاء، أو كلمة تطمئن قلبه.

إلى الجنود المجهولين في المنظمات الدولية، وفي الصليب الأحمر، والدفاع المدني، والجمعيات غير الحكومية، وإلى المتطوعين والمتطوعات الذين لا ينامون او يفيقون على هلع واجب هو خدمة طوعية، الى الذين لا تعرف أسماءهم، لكن يُعرف ما يتركونه وراءهم من أثرٍ نبيل: خيمةٌ أقلّ قسوة، وطفلٌ أكثر أمانًا، وأمٌّ أقلّ وحدة، وعائلةٌ شعرت، ولو للحظة، أنّ العالم لم يتخلَّ عنها تمامًا.

وإلى العاملين في رئاسة الحكومة ووزارة الشؤون الاجتماعية، وإلى كل من يحمل بصمتٍ وشرف عبء الخدمة العامة في هذه الأيام الثقيلة، ويواصل العمل المتفاني، لأن الواجب عنده ليس كلامًا بل فعل، وليس وظيفةً فقط بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية.

إلى كل هؤلاء، من كل الأصقاع وفي كل الأصقاع، إلى الذين لا يطلبون شكرًا ولا ينتظرون تصفيقًا، بل يواصلون السير لأن وجع الناس لا يحتمل التأجيل، تُهدى هذه القصيدة. فهي ليست كلمات جميلة فحسب، بل تذكير أخلاقي عميق بأن الإنسان يكبر حقًا حين يفكر بغيره، وأن أسمى ما في البشر ليس ما يملكونه، بل ما يبذلونه.

فكر  بغيرك

وأنتَ تُعِدُّ فطورك، فكِّر بغيركَ

لا تَنْسَ قوتَ الحمام

وأنتَ تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيركَ

لا تنس مَنْ يطلبون السلام

وأنتَ تسدد فاتورةَ الماء، فكِّر بغيركَ

مَنْ يرضَعُون الغمامٍ

وأنتَ تعودُ إلى البيت، بيتكَ، فكِّر بغيركَ

لا تنس شعب الخيامْ

وأنت تنام وتُحصي الكواكبَ، فكِّر بغيركَ

ثمّةَ مَنْ لم يجد حيّزاً للمنام

وأنت تحرّر نفسك بالاستعارات، فكِّر بغيركَ

مَنْ فقدوا حقَّهم في الكلام

وأنت تفكر بالآخرين البعيدين، فكِّر بنفسك

قُلْ: ليتني شمعةُ في الظلام

محمود درويش